القرآن الكريم للجميع » تفسير ابن كثر » سورة البقرة
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (17) (البقرة) 
يُقَال مَثَل وَمِثْل وَمَثِيل أَيْضًا وَالْجَمْع أَمْثَال قَالَ اللَّه تَعَالَى " وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ " وَتَقْدِير هَذَا الْمَثَل أَنَّ اللَّه سُبْحَانه شَبَّهَهُمْ فِي اِشْتِرَائِهِمْ الضَّلَالَة بِالْهُدَى وَصَيْرُورَتهمْ بَعْد الْبَصِيرَة إِلَى الْعَمَى بِمَنْ اِسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عَنْ يَمِينه وَشِمَاله وَتَأَنَّسَ بِهَا فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ طُفِئَتْ نَاره وَصَارَ فِي ظَلَام شَدِيد لَا يُبْصِر وَلَا يَهْتَدِي وَهُوَ مَعَ هَذَا أَصَمّ لَا يَسْمَع أَبْكَم لَا يَنْطِق أَعْمَى لَوْ كَانَ ضِيَاء لَمَا أَبْصَرَ فَلِهَذَا لَا يَرْجِع إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ فِي اِسْتِبْدَالهمْ عِوَضًا عَنْ الْهُدَى وَاسْتِحْبَابهمْ الْغَيّ عَلَى الرُّشْد . وَفِي هَذَا الْمَثَل دَلَالَة عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ حَكَى هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ السُّدِّيّ ثُمَّ قَالَ وَالتَّشْبِيه هَاهُنَا فِي غَايَة الصِّحَّة لِأَنَّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ اِكْتَسَبُوا أَوَّلًا نُورًا ثُمَّ بِنِفَاقِهِمْ ثَانِيًا أَبْطَلُوا ذَلِكَ فَوَقَعُوا فِي حِيرَة عَظِيمَة فَإِنَّهُ لَا حِيرَة أَعْظَم مِنْ حِيرَة الدِّين . وَزَعَمَ اِبْن جَرِير أَنَّ الْمَضْرُوب لَهُمْ الْمَثَل هَاهُنَا لَمْ يُؤْمِنُوا فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى" وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " وَالصَّوَاب أَنَّ هَذَا إِخْبَار عَنْهُمْ فِي حَال نِفَاقهمْ وَكُفْرهمْ وَهَذَا لَا يَنْفِي أَنَّهُ كَانَ حَصَلَ لَهُمْ إِيمَان قَبْل ذَلِكَ ثُمَّ سُلِبُوهُ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبهمْ وَلَمْ يَسْتَحْضِر اِبْن جَرِير هَذِهِ الْآيَة هَاهُنَا وَهِيَ قَوْله تَعَالَى " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبهمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ " فَلِهَذَا وَجَّهَ هَذَا الْمَثَل بِأَنَّهُمْ اِسْتَضَاءُوا بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ كَلِمَة الْإِيمَان أَيْ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ أَعْقَبَهُمْ ظُلُمَات يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ : وَصَحَّ ضَرْب مَثَل الْجَمَاعَة بِالْوَاحِدِ كَمَا قَالَ" رَأَيْتهمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك تَدُور أَعْيُنهمْ كَاَلَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت " أَيْ كَدَوَرَانِ الَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْت . وَقَالَ تَعَالَى " مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة " وَقَالَ تَعَالَى " مَثَل الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا" وَقَالَ بَعْضهمْ تَقْدِير الْكَلَام مَثَل قِصَّتهمْ كَقِصَّةِ الَّذِينَ اِسْتَوْقَدُوا نَارًا وَقَالَ بَعْضهمْ الْمُسْتَوْقِد وَاحِد لِجَمَاعَةٍ مَعَهُ وَقَالَ آخَرُونَ الَّذِي هَاهُنَا بِمَعْنَى الَّذِينَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ هُمْ الْقَوْم كُلّ الْقَوْم يَا أُمّ خَالِد قُلْت وَقَدْ اِلْتَفَتَ فِي أَثْنَاء الْمَثَل مِنْ الْوَاحِد إِلَى الْجَمْع فِي قَوْله تَعَالَى" فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ . صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" وَهَذَا أَفْصَح فِي الْكَلَام وَأَبْلَغ فِي النِّظَام وَقَوْله تَعَالَى" ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ " أَيْ ذَهَبَ عَنْهُمْ بِمَا يَنْفَعهُمْ وَهُوَ النُّور وَأَبْقَى لَهُمْ مَا يَضُرّهُمْ وَهُوَ الْإِحْرَاق وَالدُّخَان " وَتَرَكَهُمْ فِي الظُّلُمَات " وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الشَّكّ وَالْكُفْر وَالنِّفَاق " لَا يُبْصِرُونَ " لَا يَهْتَدُونَ إِلَى سَبِيل خَيْر وَلَا يَعْرِفُونَهَا .
كتب عشوائيه
- إدارة الوقت من المنظور الإسلامي والإداريإدارة الوقت من المنظور الإسلامي والإداري
المؤلف : Khalid Aljuraisy
المترجم : Muhammad Atif Mujahid Muhammad
الناشر : Al-Juraisi Foundation - http://www.alukah.net - Al Alukah Website
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/166716
- عيد الأم! نبذة تاريخية، وحكمه عند أهل العلمعيد الأم: إن ظاهرة التشبه بالكافرين ظاهرة قد انتشرت وتفشت، ومن أوجه التشبه التي عمت وطمت في الأمة التشبه بأعياد الكافرين، ومنها ما يسمى بـ «عيد الأم»، وفي هذه المقالة بين الشيخ - حفظه الله - قصة عيد الأم مع بيان الموقف الشرعي منه.
المؤلف : Muhammad Salih Al-Munajjid
الناشر : http://www.islamqa.com - Islam : Question & Answer Website
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/1347
- كتاب الحج والعمرةكتاب الحج والعمرة: هذا الكتاب دليلٌ لكل حاج ومعتمر يُبيِّن فيه المؤلف الحج وما يتعلق به من فضائل وأحكام.
المؤلف : Mahmoud Reda Morad Abu Romaisah
الناشر : Islamic Propagation Office in Rabwah
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/1391
- الإسلام: الدين الذي لا يمكن أن تستغني عنهالإسلام: الدين الذي لا يمكن أن تستغني عنه: هذا الكتاب بمثابة تعريف موجز بالدين الإسلامي وبيان شموليته لجميع جوانب الحياة، وفيه عرض موجز من خلال التعريف بأركان الإسلام ومبادئه العظام، وما يتطلبه البيان من ذكر بعض المسائل والقضايا التي لا بد من التعريف بها عند الدعوة إلى الإسلام.
المدقق/المراجع : Muhammad AbdulRaoof
الناشر : A website Islamic Library www.islamicbook.ws
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/311633
- أنت تسأل والقرآن يجيبكتاب صغير يجيب عن اثنين وثلاثين سؤالا من خلال الآيات القرآنية. يجيب عن أسئلة عن الله الخالق الحق، الأمم السابقة، معنى العبادة، حفظ القرآن من التحريف، النبي محمد والنبي عيسى عليهما الصلاة والسلام، الآخرة، مصير المؤمنين والكافرين.
المؤلف : Mohammed Bin Yahya Al-Taum - Muhammad ibn Yahya Al-Toom
المصدر : http://www.islamhouse.com/p/322144












